معرض صور

ذكر الله تعالى للعبد

فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له، ووصل شاهده إلى قلبه، شغله ذلك عما سواه

ذكر الله تعالى للعبد

من كتاب: تعظيم الله ومحبته من كلام ابن القيم

 

الغِنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه هو أعلى درجات الغِنى، فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله تعالى إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداءً قبل وجودك وطاعتك وذكرك، فقدَّر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئًا البتة، وذكرك تعالى بالإسلام، فوفقك له، واختارك له دون من خذله، قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78] فجعلك أهلاً لما لم تكن أهلاً له قط، وإنما هو الذي أهَّلَكَ بسابق ذكره، فلولا ذكره لك بكل جميلٍ أَوْلاكَهُ لم يكن لك إليه سبيل. ومن الذي ذكرك باليقظة حتى استيقظت وغيرُك في رَقْدَةِ الغفلةِ مع النُّوَّام؟

 

ومن الذي ذكرك ـ سواه ـ بالتوبة حتى وفَّقك لها وأوقعها في قلبك، وبعث دواعيك وأحيا عزماتك الصادقة عليها حتى تُبت إليه وأقبلت عليه، فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها؟

 

ومن الذي ذكرك ـ سواه ـ بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعِجُها، وتوجهت نحوه سبحانه ركائبها، وعَمَّر قلبك بمحبته بعد طول الخراب، وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب؟

 

ومن تقرب إليك أولاً حتى تقربت إليه، ثم أثابك على هذا التقرب تقربًا آخر، فصار التقرب منك محفوفًا بتقربين منه تعالى: تقرب قبله وتقرب بعده، والحب منك محفوفًا بحبين منه: حب قبله وحب بعده، والذكر منك محفوفًا بذكرين: ذكر قبله وذكر بعده، فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه؟

 

فهذه كلها آثار ذكره لك، ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس، فله عليك في كل طرفة عين ونفس نِعمٌ عديدة ذكرك بها قبل وجودك، وتعرّف بها إليك، وتحبب بها إليك، مع غناه التام عنك، وعن كل شيء، وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده، إذ هو الجواد المفضل المحسن لذاته، لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك، ولا لحاجة دعته إلى ذلك، كيف وهو الغني الحميد! فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه، فاعلم أنه ذكرك بها، فلْتَعْظُمْ عندك لذكره لك بها، فإنه ما حَقَرَكَ من ذَكَرَكَ بإحسانه، وابتدأك بمعروفه، وتحبب إليك بنعمته، هذا كله مع غناه عنك.

 

 فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له، ووصل شاهده إلى قلبه، شغله ذلك عما سواه، وحصل لقلبه به غنى عالٍ لا يشبهه شيء، وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه، فهو يحصل له بشعوره بذكر أستاذه له غنى زائدًا على إنعام سيده عليه وعطاياه السَّنِيَّـة له، فهذا هو غنى ذكر الله للعبد. وقد قال r فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ((فإنْ ذَكَرَنِي ـ أي العبد ـ في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ …))([1])، فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول الذي ذكره به حتى جعله ذاكرًا، وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى زائدًا على إنعام ربه عليه وعطاياه له.

 

والمقصود أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يُغني قلبه ويسد فاقته، وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم، فإن الفقر من كل خير حاصل لهم، وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم.

 

  [من كتاب: طريق الهجرتين]

 

 

([1]) أخرجه البخاري (ح7405).

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن