معرض صور

في ظلال الصمدية

في ظلال الصمدية .. من كتاب لأنك الله .. للشيخ/ علي الفيفي

في ظلال الصمدية

من كتاب (لأنك الله) للشيخ/ علي جابر الفيفي

 

الصمد اسم بالغ الهيبة، قوي الحروف، شامخ المعنى، قليل الورود والذكر، ذو جلالة خاصة.
إذا حاصرتك الحاجات، وداهمتك الخطوب، والتفّت من حولك الهموم، وأخذت روحك في الهرب إلى المجهول، فأنت بحاجة إلى أن تصمد إليه.

سيمدك بكل ما تحتاجه لتكون قوياً في هذه الحياة، وتجابه واقعك بشموخ، وتتجاوز عقدك بعزيمة!

الصمد هو أن تصمد إليه الخلائق، أي تلجأ إليه، وهو أجلّ معاني هذا الاسم، هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، والمفزوع إليه وقت النوائب.

أحاطك بالاحتياجات لتحيط نفسك بأسمائه وصفاته، وهذا معنى الصمدية.

جاء شيخ أعرابي اسمه الحصين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم..

– فسأله النبي: (يا حُصينُ: كم إلهًا تعبدُ؟). 

– قال: سبعةٌ في الأرضِ، وإلهٌ في السَّماءِ.

– قال: (فإذا أصابك ضرٌّ من تدعو؟).

– قال: الَّذي في السَّماءِ.

– قال: (فإذا هلك المالُ من تدعو؟).

– قال: الَّذي في السَّماءِ.

– قال: (فيستجيبُ لك وحدَه وتشرِكُهم معه؟!!، فاترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء)، فأسلم الحصين!

 

لقد اقتنع بسبب معنى الصمدية، لأن من تصمد إليه وقت الرهبة والرغبة هو وحده من يستحق أن تسجد له!

فالإيمان أسهل فكرة في الوجود، لا تحتاج إلى كتب، ولا إلى فلسفة، ولا إلى سبر وتقسيم، هي كلمة قلها بإخلاص، ثم اتركها لتشتت أفكار الزيف.. يختصر القرآن ذلك فيقول: (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). كلمة “الله” كفيلة وحدها.. بإسكات أكبر أكاذيب الحياة.. فالكافر وهو كافر إذا سمع القرآن يخضع.

امرأة.. يخلو بها فاجر في إحدى الخلوات فيراودها عن نفسها، فيقول يحثها: لا يرانا إلا الكواكب، فردت بشموخ: فأين مكوكبها؟

أين الله؟!

إنه قلب صامد إلى الله، يراقبه، متيقن أنه عليم خبير سميع بصير محيط!

وصموده إليه بقلبك تماماً كصمود المصلي إلى الكعبة ليصلي إليها!

هكذا يجب أن يكون القلب، يوزع رغباته في كل الاتجاهات، لكن الاتجاه الأمامي يجب أن يكون لله فقط.

تنقطع الأمطار، وتصبح الدنيا قاحلة على عهد موسى عليه السلام، فيخرج هو وقومه وهم آلاف من الرجال والنساء والولدان، فيرى موسى نملة خرجت رافعة يدها إلى السماء صامدة إلى رب السحاب، فعلم موسى أن هذا الصمود، وهذا الذل لن يعقبه إلا هطول السماء بماء منهمر، فقال لقومه: ارجعوا فقد كُفيتم، فعادوا على صوت الرعود، ورذاذ المطر!

أنصت إلى أولئك الذين تعبث بهم سفينة، أو يرون الموت وهو مقبل عليهم، وتعصف بهم رياح التقلبات سوف تسمعهم بجميع أديانهم يلهجون باسمه: يا الله!

ولهذا تصمد إليه.. لترتاح، ليهدأ لهاثك، لأنك بدونه تركض وتلهث وتتوتر، جعل في داخلك حاجة لأن تقول اسمه، هناك أمن يعم كيانك إن قلت يا الله، فإذا لم تقلها اختياراً، قلتها اضطراراً، وإن لم تذكرها إيماناً ذكرتها قهراً، وإذا لم تكن كلمتك في الرخاء، كانت صرختك في الشدة!

لماذا ننتظر حائجة تردنا إليه؟ ومصيبة تذكرنا باسمه؟ وكارثة نعود بها إلى المسجد؟

ألا يستحق أن نخضع ونلتجئ إليه دون جوائح وكوارث ومصائب؟

عدل بوصلة قلبك باتجاهه ثم سر إليه ولو حبواً على ركبتيك، ستصل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).

إذا طلبت من غيره قد لا يجيبك، أو يجيبك ولكن يتأخر في تلبية طلبك، أو يلبيه مع إهانة، وقد لا يهينك ولكن نفسك تنكسر له.. أما الله فيعطي بالليل والنهار، ينصرك على الجميع إن كنت مظلومًا، لا يغلق بابه، يده سحاء الليل والنهار، أكرم الأكرمين، لذلك تصمد إليه كل الخلائق، فكل عارض يعرض إنما هو رسالة تقول لك: لديك رب فالتجئ إليه.

انظر بأي اتجاه شئت، ولكن اجعل في قلبك عينين لا تنظران إلا إلى عظمته!

استمع إلى الجميع، ولكن اصنع في قلبك سمعاً لا يدرك إلا كلامه!

امش إلى حيث شئت، ولكن احفر في قلبك خطوات نهايتها عرش الملك!

إذا أمسكت قلماً فتساءل: هل يرضى الله سبحانه عما سأكتبه في هذه الورقة؟

إذا هممت بكلمة تقولها فتساءل: هل سأقول شيئاً يرضيه؟

إذا وقفت موقفاً تساءل: هل موقفي هذا محبوب عنده أم لا؟

أصمد إليه في كل حين، وإذا ما استيقظت في منتصف الليل فتذكره، خيالاتك سوداء إذا لم تتذكره، عقلك خراب دون أن يمر اسمه على خطراتك، أحلامك مستنقعات، فإذا جاء ذكر الحي الذي لا يموت صارت أنهاراً وأشجاراً وعصافير شادية.

قال الخليفة لابن عمر وهو يطوف حول الكعبة: سلني يا ابن عمر، فنظر إليه بشموخ الصامد إلى الله وقال: من أمر الدنيا أم الآخرة؟ فقال أما الآخر فلله ولكن من شؤون الدنيا، فقال ابن عمر: لم أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها؟!

فالصمود لله يحولك إلى عظيم، لا يبالي بمُلاك التراب.. الدنيا تخصص لا يقبل عليه الصامدون لله..

قال أمير لابن تيمية: سمعنا أنك تريد ملكنا يا ابن تيمية! فرفع ابن تيمية رأسه بشموخ وقال: والله إن ملكك لا يساوي عندي فلسين!

رجل يعرّض وجهه لله آناء الليل، كيف يذل لقطعة خزف أطراف النهار؟!

اللحظة التي تصمد فيها إليه لأجل حاجتك، هي نفسها اللحظة التي تصبح حاجتك ملك يمينك!

لا يستطيع العالم كله أن يمسك بسوء لم يرده الله، ولا يستطيع العالم كله أن يدفع عنك سوءاً قدره الله!

فاجعل وجهك إليه، وألجئ ظهرك إليه، وفوض أمرك إليه..

فهو الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن