معرض صور

خطبة تعظيم الله في عاشوراء

وفي شهر الله المحرم في يوم عاشوراء ما يبين عظمة الله سبحانه وقوته وجلاله وكبرياءه ونصره لأوليائه وخذله لأعدائه ما لا يخفى على ذوي الألباب والنُهَى.

خطبة تعظيم الله في عاشوراء

إنَّ الحمدَ لله، نحمده تعالى ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.. أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله حق تقاته.. فهي وصية الله للأولين والآخرين، {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.

 

معاشرَ المؤمنين:

إنَّ الله جل شأنه هو القوي الغالب، القاهر القهَّار، ذلّت لعظمته الجبابرة، وانهزمت أمام قدرته الأكاسرة، نصر أولياءه، وخذل أعداءه، فكان الذل والصغار على من خالف أمره، والهوان لمن عاند حكمه.

وفي شهر الله المحرم في يوم عاشوراء ما يبين عظمة الله سبحانه وقوته وجلاله وكبرياءه ونصره لأوليائه وخذله لأعدائه ما لا يخفى على ذوي الألباب والنُهَى.

وقبل الشروع في بيان ذلك اعلموا أن ليوم عاشوراء فضلاً عظيماً،

فقد ورد عن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَه؟ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ”. فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ بِصِيَامِه) رواه مسلم.

وفي سنن النسائي عن أبي قَتادة رضي الله تعالى عنه، عن الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – قال: (صوم عاشوراء يكفِّر السّنة الماضية)، وورد في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: (حين صام رسول ‏الله – صلّى الله عليه وسلّم – يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله: إنّه يوم تعظّمه ‏اليهود والنّصارى! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فإذا كان العام المقبل إن شاء ‏الله، صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفّي رسول الله صلّى الله عليه ‏وسلّم)، فهو يومٌ عظيمٌ نجّى الله فيه موسى عليه السلام ومن معه وأغرق فرعون ومن معه، ولنا في ذلك وقفاتٌ تتجلى من خلالها عظمة الله سبحانه، وكيف أنه سبحانه هو القوي الغالب، لا حكم فوق حكمه، ولا قهر فوق قهره، ولا سلطان فوق سلطانه، فمن هذه الوقفات:

 

الأولى: كيف نجّى الله موسى عليه السلام يوم أن كان لا حول له ولا قوة من بطش فرعون، ففي ظل عنفوان كبرياء فرعون وتغطرسه وظلمه لبني إسرائيل بقتل أبنائهم نجّى الله موسى من ذلك، مع أن ولادة موسى عليه السلام كانت في السنة التي يُقتل فيها الأولاد فنجاه الله من فرعون وبطشه، بل أراد الله أن يتربى في بيت فرعون.. نعم .. رباه فرعون في بيته ليكون هلاكه على يديه، فتأملوا ـ يا رعاكم الله ـ ينشأ في بيته ويأكل من مائدته، بل ويسعون في توفير سبل الراحة له، دون أن يعلموا أن هذا الطفل هو من ستكون هلكتهم على يديه، فيا ليت شعري من دبّر ذلك وقدّره، وأتقن ذلك وأحكمه، أليس إلا الله العليم القادر، القوي القاهر، الذي إن قضى شيئاً أو أراد أمراً فلا رادَّ له.

 

الوقفة الثانية: بعد أن يبلغ موسى أشده فيهبه الله قوةً عظيمةً فيصرع ذلك القبطي الذي حاول قتل رجلٍ من قوم موسى عليه السلام فاستغاثه، فلما انتشر الخبر ووصل إلى مسامع فرعون إذ بعناية الله تتجلى ـ وذلك دليل علمه الواسع سبحانه وإحاطته الشاملة ـ فيأتي رجلٌ يسعى من أقصا المدينة فيخبره أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، فسبحان من سخر له من يدافع عنه ويسعى لنجاته، أوليس ذلك إلا من عظمته سبحانه، وأنه إذا قضى أمراً أتمه.

 

الوقفة الثالثة: من معجزات موسى التي انبهر منها كلُّ من رآها، عصاه التي تصير ثعباناً عظيماً بأمر الله ” تلقف ما يأفكون” حتى وقف السحرة لذلك عاجزين، ومن هوله مندهشين، بل لم يترددوا ـــ وهم أهل صناعة السحرـــ أن يعلنوا أنَّ ذلك ليس بسحر بل هو حقيقة، ما دفعهم للإيمان بموسى عليه السلام والتصديق برسالته، غير آبهين ولا متهيبين لقوة فرعون أو جبروته أو سطوته وظلمه، ففي أول نهارهم كانوا سحرة كفره، وفي آخر النهار صاروا شهداء بررة إذ صدقوا بموسى عليه السلام ورسالته.. أليس من منح موسى عليه السلام تلك المعجزات الباهرة حتى أذل بها فرعون أليس إلا إلهاً عظيماً قادراً مقتدراً عليماً محيطاً بكل شيء.

 

الوقفة الرابعة: بعد تلك الجولة التي تبين فيها صدق موسى عليه السلام وانهزام فرعون وزبانيته، وفي ظل استمرار الكليم موسى عليه السلام بدعوته لفرعون وملئه، وما لاقاه من كبريائهم وعنادهم، أظهر الله لهم قدرته وقوته، وجلاله وعظمته، فأرسل عليهم من العذاب أنواعاً، ومن التنكيل أصنافاً كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ – فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ – وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ – فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}، [الأعراف: 130 – 133]، لكن أنّى لتلك النفوس التي غلفها الكفر والكبر أن تُذعن، أو تؤمن بالله سبحانه.

أرسل الله عليهم تلك الآيات والعقوبات العظيمة، حتى طلبوا من موسى أن يرفعها عنهم مقابل أن يؤمنوا وبه يصدقوا، فلما كشفها الله عنهم إذا هم ينكثون ويمكرون.

واستمر موسى عليه السلام في دعوته لهم ولكن مَنْ طبع اللهُ على قلبه أنّى له أن يستجيب، أو إلى الحق ينيب.

 

أيها المؤمنون:

ولا تزال نُذر الدعوة الإلهية تأتي فرعونَ وقومه تَتْراً دون أن تلقى منهم آذاناً صاغية، أو قلوباً واعيةً، وفي كل مرةٍ يتجلى لهم من عظمة الله ما ينبغي لهم به أن يؤمنوا، ولكنها قسوة القلوب وغفلتها وإعراضها، حين تستحكم فلا ينفع الوعظ بل ولا ينفع النذير.

نعوذ بالله من قسوة القلوب وغفلتها وإعراضها، ونعوذ بالله من رد الحق واتباع الهوى.

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله ناصر أوليائه، ومذل أعدائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

إخوة الإيمان:

ومن آيات عظمة الله سبحانه تلك الثقة التي ملأ بها قلب موسى عليه السلام، حين اختلط الأمر واضطرب الناس ولحق فرعون ليدركهم، فمع بلوغ الأمر مبلغاً عظيماً حتى كاد قوم موسى عليه السلام أن ييأسوا من النجاة، تتجلى عظمة الله بتثبيت قلب موسى عليه السلام فيقول بلسان المؤمن بربه، الواثق بنصره، المصدِّق بوعده، العالم بكمال قدرته وعظمته {كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، يا لها من كلماتٍ رشيدة قيلت في موطنٍ عصيب وكربٍ شديد فكانت النجاة بأمر الله جل في علاه.

 

قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66)}.

فبتلك العصا التي كان موسى عليه السلام يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، تحولت بقدرة الله وعظمته إلى حيةٍ تسعى تلقف ما يأفكون، ثم حين اقتربوا من البحر أمر الله موسى عليه السلام أن يضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرقٍ كالجبل العظيم، وحين يستسقى قوم موسى عليه السلام يأمره الله أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فانظروا كيف تقلبت الأحوال بتلك العصا، وفي كل حالٍ منها معجزةٌ ودلالةٌ على عظمة الله وقدرته.

 

ومن الوقفات الإيمانية التي تدعونا للتأمل في عظمة الله وقدرته: إهلاك فرعون وقومه ونجاة موسى عليه السلام وقومه، فانظروا وتأملوا كيف فلق الله البحر، الكبير الهائج، ذو الأمواج الهادرة التي تنخلع القلوب عند رؤية هيجانها، ذلك البحر العظيم الهائل يستجيب لأمر الله العظيم فينفلق حتى كان كل فرق كالطود العظيم، أي الجبل الكبير، ذلك كله بأمر الله تعالى، فالبحر ليس إلا طوع أمره سبحانه، انفلق البحر فكان طريقاً يبساً نجّى الله بها موسى عليه السلام وقومه، وأهلك فرعون ومن معه.. فسبحان من جلّ شأنه، وعَظُمَتْ قدرته.

 

عباد الله:

إن من يتأمل ما أسلفنا، ويعيد التأمل والنظر يدرك عظمة الله الكاملة وقوته القاهرة، فتسكن نفسه لربه، ويلجأ قلبه لخالقه، ويخلع عن نفسه كل ما سوى الله تعالى.

أيها المسلمون:

صلوا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال عز من قائلٍ عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين،اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم املأ قلوبنا بتعظيمك،واشرح صدورنا بإجلالك،وأكرمنا بطاعتك .

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}،فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن