معرض صور

خطبة | تعظيم الله في الصلاة

العباداتِ ما شُرعتْ إلا لتعظيمِ الله وإقامَةِ ذكرِهِ، وإنَّ أعظمَ العباداتِ بعدَ الشهادتين: (الصلاة)، التي هي أُسٌّ في التعظيم، وغايةٌ في الإجلالِ والتبجيلِ لله سبحانه

تعظيم الله في الصلاة

إنَّ الحمدَ لله، نحمده تعالى ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.. أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.

معاشر المؤمنين:

إنَّ تعظيمَ الله تعالى هو أوجبُ الواجباتِ، بلْ هو قِوامُ الدينِ كلِّه، فما قام الدينُ إلا على تعظيمِ الله، قال الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله: (وإنَّ قَدَمَ الإسلامِ لا تثبُتُ إلا على درجةِ التسليمِ، وذلك يوجبُ تعظيمَ الربِّ تعالى وأمرَه ونهيَه، فلا يتمُّ الإيمانُ إلا بتعظيمِهِ) سبحانه.

فاعلم ـ أيها المسلمُ الموحد ـ أنَّ العباداتِ ما شُرعتْ إلا لتعظيمِ الله وإقامَةِ ذكرِهِ، كما قال جلَّ شأنُه: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}.

 وإنَّ أعظمَ العباداتِ بعدَ الشهادتين: (الصلاة)، التي هي أُسٌّ في التعظيم، وغايةٌ في الإجلالِ والتبجيلِ لله سبحانه.

فإذا تأملنا كيف فُرضتِ الصلاةُ في حادثةِ الإسراءِ والمعراج، فإنَّ ذلكَ كفيلٌ بأن يوطِّدَ في قلوبِنا معانيَ العظمةِ المطلقةِ لله سبحانَه، ففي تلكَ الرحلةِ المباركةِ من بيت الله الحرامِ بمكةَ المكرمةِ إلى المسجدِ الأقصى في بيتِ المقدسِ، ثم عروجه ﷺ إلى السماءِ السابعةِ مع ما مرَّ به من الأمورِ العظام، كلُّ ذلك يُشعر المؤمنَ بعظمةِ الله، الذي تدور كلُّ الخلائقِ تحتَ سلطانِهِ، فيُنْفِذُ ما شاءَ متى يشاء، وكلُّ صعبٍ بل ومستحيلٍ أمامِ قدرته هينٌ. {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

ثم تأمل ـ يا عبدالله ـ في النداء للصلاة بالأذان، ففي كل يومٍ يُنادَى للصلاة خمسَ مراتٍ بذلكَ النداءِ العظيم، الذي تمتلئُ كلماتُه بمعاني تعظيمِ الله تعالى، من التكبيرِ في أولِه حتى التهليلِ في آخرِه، ومع سماعِ هذا النداءِ تتوقفُ عجلةِ الحياة، فلا يبقى أعظمُ ولا أجلُّ من التوجهِ للقاءِ الله العظيمِ سبحانه، وإنّ من تعظيمِ اللهِ في الصلاة أن المسلمَ إذا سمعَ النداءَ ترك عملَه وذهبَ إلى الصلاة، فتعظيمُ الصلاةِ من تعظيمِ الله تعالى، بل إنَّ الإسراعَ لتلبيةِ نداءِ الصلاةِ هو دليلٌ على محبةِ اللهِ والشوقِ إلى لقائِه، وفي الحديثِ: (سُئلتْ أمُّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها ما كانَ النبيُّ ﷺ، يَصْنَعُ في البَيْتِ؟ قالَتْ: كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأذَانَ خَرَجَ) رواه البخاري.

وفي اشتراطِ الطهارةِ للصلاة من تعظيم الله ما لا يخفى، يقول النبي ﷺ: (لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُم إذا أحدثَ حتى يتوضأ)، ويقول: (لا صلاةَ بغير طُهور)، فتأملوا ـ يا رعاكم الله ـ كيف أن الشارعَ الحكيمَ سبحانه جعل فرضاً وركناً لازماً لمن أراد الصلاةَ أن يتطهرَ، وما ذاك إلا لأن الصلاةَ مقابَلةٌ لملك الملوك، فناسب أن يستشعرَ المرءُ ذلك فيتحلَّى بكمالِ الفضائلِ الحسيةِ والمعنوية، فيَطْهُر بدنُه من الأنجاسِ والأحداثِ، وقلبُه من الشركِ والأحقادِ والضغائن وكلِّ ما سوى الله تعالى، ويكونُ طُهوره تهيئةً لِولُوجِهِ عتبةَ لقاءِ الكريمِ العظيم.

 إنه شعورٌ عميقٌ يدفع المرءَ لأن يحسنَ وضوءَه ويستشعرَ عظمةَ ربِه الذي يناجيه، ولقد كان بعضُ السلفِ إذا توضأ اصفر وجهُهُ وارتعدت أطرافُهُ، فلما سُئِلَ عن ذلك قال: (أتدرون بين يدي من سأقف؟!).

عباد الله:

إن التزينَ عند حضورِ الصلاةِ ما هو إلا لتعظيمِ اللهِ جلَّ سبحانَه، فينبغي الوقوفُ بين يدي العظيمِ بأجملِ هيئة، وأحسنِ منظرٍ، دونَ تكلُّفٍ أو خُيلاء، قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، وما ذاك إلا لاستشعارِ عظمةِ من تقفُ بينَ يديه، ولقدْ كانَ منَ السلفِ والخلفِ من إذا أراد الذهابَ للصلاةِ لبسَ أحسنَ ملابسَه وتَطَيَّب، فذلك ـ وأيم الله ـ من تعظيمِ الله تعالى وحسنِ الأدبِ معه، لا كما يفعلُهُ البعضُ منَ الخروجِ للصلاةِ بملابسِ النومِ أو الملابسِ غيرِ الساترةِ التي يستحي أن يقابل بها آحادَ الناسِ، والله المستعان.

فإذا استقبل المسلمُ القبلةَ وكبَّر تذكرَ قولَ النبيِّ ﷺ: (إنَّ اللهَ ينصِبُ وجهَهُ لوَجهِ عَبدِهِ في صَلاتِهِ ما لَم يَلتَفِتْ)، فامتلأ قلبُه وجوارحُهُ بتعظيمِ الله؛ لأنَّ العظيمَ سبحانه نصبَ وجهَه لوجِهِه، فياله مِن شرفٍ لا يدركُه إلا المصلون الخاشعون، الذين هم لربهم معظمون.. جعلني الله وإياكم منهم.

أيها المؤمنون:

إنَّ التكبيرَ هو أولُ ما يفتتحُ المرءُ به صلاتَه، قائلاً (الله أكبر)، فيالها من كلمةٍ عظيمةٍ، في موطنٍ شريف.

 إنّ في قولِ المسلمِ لهذه الكلمة إعلاناً لحقارةِ الدنيا ـ كلِّ الدنيا ـ أمامَ عظمةِ اللهِ وكبريائِه، نعم (فالله أكبرُ) وأعظمُ من كلِّ عمل، من كلِّ ألمٍ وهَمْ، من كلِّ وجعٍ وضِيق، (الله أكبر) من كلِّ شيء، وهنا تتصاغر الدنيا بزُخْرُفِهَا وبُهْرُجِهَا أمامَ هذه العظمة، ويَظلُّ المصلي يكررُ التكبيرَ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ وانتقالٍ من موطنٍ لآخر في الصلاة حتى يتشبعَ قلبُه بمعنى العظمةِ الكاملةِ لله سبحانَه، ولا يَعقلُ ذلكَ إلا العالمون.

وبعدَ التكبيرِ يقرأُ المسلمُ دعاءَ الاستفتاحِ الذي يفيضُ بمعاني التعظيم لله والثناء عليه (سبحانكَ اللهمَّ وبحمدِك، وتبارك اسمُك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرُك).

عبادَ الله:

قلتُ ما سَمِعتُم، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله العظيمِ الكبيرِ، السميعِ البصيرِ، له الجمالُ كلُّه، والجلالُ كلُّه، وأشهد أن لا إله الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ﷺ، أما بعد:

إخوة الإيمان:

يزدادُ تعظيمُ المؤمنِ لربِّه في الصلاة حين يقرأُ سورةَ الفاتحةِ، ذلك أنَّ هذه السورةَ هي أعظمُ سُوَرِ القرآنِ الكريم، وكلَّ آياتِها بابٌ كبيرٌ في تعظيم الله تعالى، تأمَّلْ آياتِها، وتأملْ في مناجاةِ اللهِ لكَ حينَ تقرأُهَا، واستشعرْ هذا الموقفَ بقلبٍ صادقٍ مليءٍ بالإيمان، يقولُ النبيُّ ﷺ: (قالَ اللهُ تَعالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ}، قالَ اللهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قالَ اللهُ تَعالَى: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: {مالِكِ يَومِ الدِّينِ}، قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قالَ: هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذينَ أنْعَمْتَ عليهم غيرِ المَغْضُوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ} قالَ: هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ). فيا لِعظمةِ المناجي، ويا لِعظمةِ المناجاة.

 ويتجلى في الركوعِ التعظيمُ لله سبحانَه في أبهى صورةٍ وأجملِ حُلَّة، فهيئةُ الركوعِ تُشعرُ المؤمنَ بالانكسارِ بين يدي الله العظيم سبحانه، فيُطأطِئُ المؤمنُ رأسَه وكلَّ ما فيه بين يدي خالقِه العظيم، وهو يردِّدُ عباراتِ التعظيمِ والتبجيلِ لله متَّبِعًا قولَ النبي ﷺ: (أما الركوعُ فعظِّموا فيه الرب)، فيلهجُ المسلمُ بقولِ: (سبحان ربي العظيم) مكرِّراً لها ليغرسَ في قلبِهِ حقيقةَ التعظيمِ لله جلَّ وعلا.

 وكذلك الحالُ في السجودِ، فإنَّ المسلمَ في هذا الموطنِ يضعُ أشرفَ ما فيه ـ وهو رأسَه وجبهتَه ـ على الأرضِ بِذُلٍّ وانكسارٍ بين يدي خالقِه جلَّ جلالُه، ثمَّ هو يرددُ في هذا المقامِ تلكَ الكلماتِ المليئةِ بالتعظيمِ لله سبحانَه فيقولُ: (سبحان ربي الأعلى)، وهل ثَمَّ في الوجودِ أعلى منه سبحانه، ليرفعَ رأسَه من السجودِ وقد امتلأَ قلبُه تعظيماً لله وإجلالاً وإكباراً.

ويختمُ المرءُ صلاتَه بالتشهدِ المليءِ بتعظيمِ الله والثناءِ عليه بقول المسلم: (التحياتُ لله)، أي: التعظيماتُ التي يُعظَّمُ بها الربُّ جلَّ وعلا، (والصلواتُ الطيبات).

واعلمْ أيها الفطِنُ اللبيبُ أنَّ حاجاتِك التي تنصرفُ لأجلِها بسُرعَةٍ بعد الصلاةِ هي بِيَدِ اللهِ الذي أنت في بيتِه، فاغتنمْ فرصةَ النزولِ عليه، واطلبْ حاجتَكَ منهُ فلنْ يُخَيِّبَ مَنْ رجاه ولنْ يرُدُّ من دَعَاه.

ومنْ حقَّقَ التعظيمَ للهِ في الصلاةِ فهو الذي ستَنْهاهُ صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكر، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، فما هذه الصلاةُ إلا تعظيمٌ لله، ودافعٌ للتحلي بالفضائلِ وتركِ الرذائل، وسكينةٌ للنفسِ وطمأنينةٌ للقلب.

عباد الله: يقول الله جلَّ الله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

اللهم صلِّ وسلم على نبيِّك محمدٍ وعلى آلِهِ وأزواجِهِ وذريَّتِهِ وصحابتِهِ ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلامَ وانصرِ المسلمين، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا وسائرَ بلادِ المسلمين، اللهم املأ قلوبَنا بتعظيمك، واشرحْ صدورَنا بإجلالِك، وأكرمْنَا بطاعتك.

 {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ..

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن