معرض صور

الافتقار إلى الله

من كتاب الفوائد لابن القيم

ما ظنك بملِك استولى عليه عدوُّه، فأنزله عن سرير ملكه، وأسره وحبسه، وحالَ بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيّرها له، ومع هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره، ولا يستغيث بمن يغيثه، ولا يستنجد بمن ينجده، وفوق هذا المـَلِكِ مَلِكٌ قاهرٌ لا يُقهر، وغالب لا يُغلب، وعزيز لا يُذل.

فأرسل إليه: إن استنصرتني نصرتُك، وإن استغثتَ بي اغثتُك، وإن التجأت إليَّ أخذتُ بثأرك، وإن هربت إليَّ، وآويت إليَّ سلطتك على عدوك، وجعلته تحت أمرك.

فإن قال هذا الملك المأسور: قد شدَّ عدوي وثاقي، وأحكم رباطي، واستوثق مني القيود، ومنعني من النهوض إليك، والفرار إليك والمسير إلى بابك، فإن أرسلت جندًا من عندك يحلوا وثاقي ويفكوا قيودي ويخرجوني من حبسه، أمكنني أن أوافي بابك، وإلا لا يمكنني مفارقة محبسي، ولا كسر قيودي.

فإن قال ذلك احتجاجًا على ذلك السلطان، ودفعًا لرسالته، ورضي بما هو فيه عند عدوه، خلاه السلطان الأعظم وحاله، وولاه ما تولى.

وإن قال ذلك افتقارًا إليه، وإظهارًا لعجزه وذُله، وأنه أضعف وأعجز أن يسير إليه بنفسه، ويخرج من حبس عدوه، ويتخلص منه بحوله وقوته، وأن من تمام نعمته ذلك عليه كما أرسل إليه هذه الرسالة أن يمده من جنده ومماليكه بمن يعينه على الخلاص، ويكسر باب محبسه، ويفك قيوده، فإن فعل به ذلك فقد أتم إنعامه عليه، وإن تخلى عنه فلم يظلمه ولا منعه حقًا هو له. وأنَّ حمده وحكمته اقتضى منعه وتخليته في محبسه، ولاسيما إذا علم أن الحبسَ حبسُه، وأن هذا العدوَّ الذي حبسه مملوكٌ من مماليكه وعبدٌ من عبيده، ناصيته بيده، لا يتصرف إلا بإذنه ومشيئته، فهو غير ملتفت إليه، ولا خائف منه، ولا معتقد أن له شيئًا من الأمر، ولا بيده نفع ولا ضر، بل هو ناظر إلى مالكه، ومتولى أمره ومن ناصيته بيده، قد أفرده بالخوف والرجاء والتضرع إليه والالتجاء والرغبة والرهبة، فهناك تأتيه جيوش النصر والظفر.

انتهى كلامه.

 

اضغط لقراءة كتاب: تعظيم الله في كلام ابن القيم 

مقالات مشابهة

09سبتمبر

رمضان..شهر الله العظيم

سبحان ربنا العظيم الذي جعل الفرحة تتجدد في قلوب المسلمين كل عام بحلول شهر رمضان العظيم، وقد تهيأت نفوسهم للاجتهاد في العبادة وبذل المعروف، طلبًا للأجر العظيم الـمُخبَّأ عند رب العالمين للصائمين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r يرويه عن رب العِزّة عزّ وجلّ أنه قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) – رواه البخاري -.

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن