معرض صور

خطبة تعظيم الله في وداع العام

تأملوا في عامِكُم الذي انقضى، كَمْ أضحَكَ ربُّكُم فيه وأَبْكَى، وأماتَ وأحيَا، وكَمْ أسعدَ وأشقَى

تعظيم الله في وداع العام

 

الخطبة الأولى:

الحَمْدُ للهِ مُقَدِّر الأَقْدَارِ، مُكَوِّرِ النَهَارِ على اللَيلِ، ومُكَوِّرِ اللَيْلِ على النَّهَارِ، {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرةٍ في السْماوَاتِ ولَا في الأرضِ ولَا أصْغرُ مِنْ ذَلِكَ ولَا أكْبَرُ إلَا فِي كِتَابٍ مُبِيْن}.

وَأشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه.. الدَهْرُ مَاضٍ بِقَدَرِه، وَالزْمَنُ طَوْعُ أَمْرِه، يَمحُو مَا يَشَاءُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ..

وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَليِهِ فِي الَأوَلِينَ والآخِرِيْن، وفِي الملأِ الأعْلى إلى يومِ الدين.. أمَا بَعْد:

عبادَ الله: اتقوا اللهَ حقَّ تُقَاتِه.. واعْلَمُوا أنَّ نجَاتَكُم وفَلَاحَكُم في تَحقِيقِ تَقْواه، ونَيلِ رِضَاه، جَلَّ سُبْحَانهُ فِي عُلاه، وتَقدَسَ فِي سَمَاه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.

 

معاشرَ المؤمنين:

يقول الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ .. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

نعم .. إن هؤلاء هم أولوا العقولِ الراجحةِ، والأفئدةِ الراسخةِ .. مَنْ تفكروا في آلاءِ اللهِ فرجعوا على أنفسِهِم بالتوبة والإنابة لِمَا استشعروا من عظمتِه وكبريائِه.

وإنّ من أعظم ما يتفكرُ فيه المؤمنُ تقلُّبَ الليلِ والنهارِ، وتصرُّمَ الأيامِ والأعمارِ، يومٌ يتلوه يوم، وشهرٌ يتبعه آخر، وسنةٌ تعقُبُها سنة، والأعمارُ في انقضاء، والآجالُ في اقتراب، وليس يدرك حقيقةَ ذلك إلا المؤمنُ المعظمُ لربه سبحانه.

عباد الله:

وها قدْ قاربَ عامُكُم على الأفول، وأوشكت أيامُه على الذُّبول..

فهل من متعظٍ!

هل من متأمل!

أمَا من متفكرٍ في عظمة الله سبحانه كيف جعل الأيام تنقضي!

أمَا من متدبِّرٍ في قدرة الله جل جلاله كيف عاقب بين الليل والنهار والشمس والقمر!

كيف جعل اللهُ بعظمتِه النهارَ معاشاً، يسترزقُ فيه الناسُ ويقضون مآربَهم، فتقومُ بذلك حياتُهم وتستمرُ!

ثم أعقبَ النهارَ بالليل ليكونَ للناسِ (لباساً)، فتنقطع معه حركتُهُم، وتهجعُ به نفوسُهُم.

وقد أظهرَ اللهُ قدرتَه في تصريفِ ذلك على هذا النحو العجيب فقال جل شأنه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} فلو كان الزمنُ كلُّه نهاراً أبدياً .. أو ليلاً سرمدياً .. كيف ستكونُ حياة الناس؟!

فسبحانَ اللهِ مقلبِ الليلِ والنهارِ، ومجري الأزمنةِ والأعمارِ.

ثم تأملوا عباد الله:

وتفكروا في تلك الشمسِ العظيمة، وذلك القمرِ المنير ـ اللذان هما آيةُ الليلِ والنهارِ وعلامةُ تقلُّبِهِما وبهما تنقضي الأيامُ والأعوام ـ تفكروا في عظمةِ خلقِهِما وتصريفِهِما لِتَعرِفوا عظمةَ خالِقِهما سبحانَه، وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن ((الشمس والقمر آيتان من آيات الله))، نعم .. إنهما آيتان عظيمتان تدلان على عظمةِ خالقِهِما جلَّ في علاه.

في كلِّ يومٍ تُشرقُ الشمسُ وتغرُبُ منذُ آلافِ السنين، في نظامٍ محكَم وتقديرٍ بديع، أليسَ منْ أجراها وقدَّرَ شروقَها وغروبَها هو العظيمُ سبحانَه؟ ومتى أرادَ سبحانَه أنْ يُبهرَ خلقَهُ ويُظهِرَ لهم عظمتَه حجبَ نورَهَا فجعلهَا تنْكَسِفُ تحذيراً وتخويفاً لهم.

{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}.

أيها المؤمنون:

تأملوا في عامِكُم الذي انقضى، كَمْ أضحَكَ ربُّكُم فيه وأَبْكَى، وأماتَ وأحيَا، وكَمْ أسعدَ وأشقَى، كَمْ مريضٍ قدْ شَفَى، وكمْ صَحيحٍ لأَجَلِهِ قد قَضَى، كمْ أغنى وأقنى، وكمْ عَزيزٍ قدْ هوى،  وذَليلٍ بقوَّتِهِ سبحانه علا.

{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.

ومع تغيُّرِ أحوالِ خلقِهِ، وتقلُّبِ أطوارِهِم، لا يشغلُهُ منهم شأنٌ عن شأن، ففي كلِّ يومٍ يُعطي ويَمنع، ويُذِلُّ ويَرفَع، ويُحيي ويُميت، ويُصِحُّ ويُمْرِض، فلا غنى لخلقِهِ عنهُ، ولا خروجَ لهم عنْ سلطانِه.

ثمَّ إن في تعاقبِ الفصولِ وتقلُّبِها عبرةً لأولي الألباب، صيفٌ وشتاء، ربيعٌ وخريف، وفي كلٍّ منها آيةٌ تدلُّ على سلطانِهِ، وبديعِ صنعِهِ وإتقانِهِ، فسبحانَ الله العلي العظيم.

اللهم ارزقنا حسنَ التفكرِ في خلقِك، وصدقَ التأملِ في آلائِك، وارزقنا خشيةً منكَ تملأُ بها قلوبَنَا، وتنيرُ بها صدورَنَا.

قلتُ ما سَمِعتُم وأستغفرُ اللهَ لي ولكُم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ فاستغفرُوه .. إنه هو الغفور الرحيم.

_______________________________________________

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله العليِّ الأعلى، ربِّ الأرضين السبعِ والسماواتِ العُلى، الرحمنِ على العرشِ استوى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم، أما بعد: 

 

إخوة الإيمان:

وفي ختامِ العامِ لتدركوا عظمةَ الكريمِ العلّام تأملوا في حالِ قلوبِكُم خلالَ عامِكُم كيفَ كانت بينَ إقبالٍ وإدبار، وحُزْنٍ وفَرْح، وانشراحٍ وضِيق، فهذه روحُكَ التي بين جَنْبيْك، وقلبُكَ الذي ينبضُ في صدرِك، كلُّها دالةٌ على عظمةِ الله سبحانَه، بلْ كلُّ ما فيك هو شاهدٌ على عظمتِهِ {وَفِي أَنفُسِكُمْ  أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.

ولو نظرتَ في الناسِ حولَك لازدادَ يقينُك بعظمةِ الله سبحانَه، فلِحُسْنِ تدبيرِه وتصريفِه، وجميلِ حكمتِه وتقديرِه ترى أُناساً مِن حمئةِ الشركِ والغفلةِ قد سَمَوْا، وضلَّ آخرون وغَوَوْا، عزّ أقوامٌ وارتقَوْا، وذلّ آخرُون وتَرَدَّوْا، والعزُّ كلُّ العزِّ في طاعةِ اللهِ وتحقيقِ عبوديتِهِ واستشعارِ عظمتِه سبحانه.

ثم إنَّ مما يُبهرُ العقولَ في عامِكُمُ المنقضي ما أنعمَ اللهُ على عبادِهِ في ثنايا العامِ مِنْ مواسِمَ للطاعاتِ، فلِعظمته وكمالِ حكمتِه اصطفَى شهوراً وأياماً، وأمرَ عبادَه بالتزوُّدِ فيها لطاعتِهِ والبُعدِ عن معصيتِهِ، ولكمالِ جلالِه وعظمتِه استجابتْ له القلوبُ راغبةً راهبة، فتقلبتْ أرواحُ المؤمنين وقلوبُهم في بساتين الهدى، معلنةً لهُ كمالَ الذلِّ والخضوعِ جلَّ وعلا.

 

عباد الله:

{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} لئن كان العامُ قد انقضى فإنَّ مما يدلُّ على عظمةِ اللهِ إحصاءَه لكلِّ ما عمِلَ الخلقُ خلالَ عامِهِم، وسيجازِيهم عليْهِ، فلا يخفى عليْهِ شيءٌ من أفعالِ خلقِهِ، وجلَّ سبحانَه أن ينسى ما على عبادِه أحصَى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.

ومع هذا وذاك، وكلِّ ما دلَّ على عظمةِ ربِّ البريَّات، فما أعظمَ القلوبَ المتفكرة، وما أعظمَ المؤمنَ المعظِّمَ لربِّه، ما أسعدَهُ وما أفلَحَه.

إن تحقيقَ تعظيمِ اللهِ والسعيَ لذلك هو الغايةُ العظمى، والمقصدُ الأسمى، وخيرُ ما يَتقرَّبُ به العبدُ لربِّه.

 

أيها المسلمون:

صلوا على من أمركم اللهُ بالصلاةِ عليه، فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

اللهم صلِّ وسلِّمْ على نبيك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم املأ قلوبنا بتعظيمك، واشرح صدورنا بإجلالك، وأكرمنا بطاعتك.

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن