معرض صور

خطبة تعظيم الله في عشر ذي الحجة

إن من يتأمل حقيقةَ هذه العشر المباركة فسيدرك يقيناً ما اشتملت عليه من تعظيمٍ لله سبحانه، يتجلى ذلك في اختيارها واصطفائها من بين أيام العام لتكون هي أفضلَها وأحبَّها إلى الله تعالى

الحمدُ لله ذي السلطان والعظمة، والقهرِ والحكمةِ، جلَّ فارتفعْ، وذلَّ كلُّ شيءٍ له وخضعْ.

عنتْ له الوجوه، وذلتْ له الرقاب، تفضلَ على خلقه بأن خلقهم وسوَّاهم، ثم أنعم عليهم بشتى النعم وأسداهم، ومن كريم عطائِه وفَّقهم وهداهم، فدانت له نفوسُ المؤمنين وذلَّت، وتمردت نفوسُ الغافلين وزلَّت.

وأشهد أن لا إله إلا الله واحداً أحداً، فرداً صمداً، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، وصفيُه وخليلُه، صلوات ربي وسلامُه عليه في الأولين و الآخرين.. أما بعد:

 

عباد الله:

اتقوا الله حق تقاته.. فما فاز إلا من اتقاه، : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.

(الله أكبر…الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد).

 

معاشرَ المؤمنين:

إن مما ينبغي أن يملأ المؤمنُ به قلبَه (تعظيمَ الله تعالى)، فحياة القلوب إنما تكون بتعظيم الله، وأيمُّا قلبٍ خلا من ذلك فهو قلبٌ خاوٍ غافلٌ لاه.

ثم اعلموا – عباد الله – أنَّ من أعظم ما يدل عليه ويرشدنا إليه سبحانه آياتِه الشرعية، ذلك أنها منه سبحانه هدايةً لخلقه، كما أنها مليئةٌ بتعريف الخلق به وأسمائه وصفاته.

وإن من فضل الله ولطفه بعباده الذي تتجلى به عظمته أن شرع لهم الدين، وأرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين، ومن كمال حكمته وعظمته بخلقه أن شرع لهم مواسمَ للطاعات بها من الخيرات يتزودون، ومن جوار ربهم يتقربون، ومن معين فضله وعطائه ينهلون.

ومن هذه المواسم: عشرِ ذي الحجة، التي هي خيرُ أيام الدنيا، كما ثبت في صحيح البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر – قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».

 

عباد الله:

إن من يتأمل حقيقةَ هذه العشر المباركة فسيدرك يقيناً ما اشتملت عليه من تعظيمٍ لله سبحانه، يتجلى ذلك في اختيارها واصطفائها من بين أيام العام لتكون هي أفضلَها وأحبَّها إلى الله تعالى، وذلك دليلُ قدرةِ الله الباهرةِ، وقوَّتِه المطلقة، وحُكْمِه الشاملِ لهذا الكون، فهو سبحانه يفضِّل ما يشاء، ويصطفي مِن عباده من يشاء، لا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه.

 

عباد الله:

في العشر يُشرع التكبير المطلق في جميع الأوقات، وفي كل الأحوال، وما ذاك إلا لترسيخ عظمة الله في قلب المؤمن.

(الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد).

كلماتٌ عظيمة يرددها المسلم في ليله ونهاره ولو استشعر معناها لعلم أنها تزرع في نفسه تعظيمَ الله سبحانه وتعالى .. (الله أكبر) .. نعم هو سبحانه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وأجلُّ من كل جليل، ما السماوات السبع أمام كرسيه إلا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاة، هذه السماوات على عظمتها واتساعها وإحكامها ليست عند كرسي الرحمن إلا كحلقة ملقاة في صحراء، وكرسيه هو موضع القدمين، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة ملقاةٍ بأرض فلاة، تلك سماواته، وذاك كرسيه، وذلك عرشه، فكيف بعظمته سبحانه وهو خالقها ومقيمها.

 

أيها المؤمنون المحبون لله:

ينبغي أن يقف وراء ترديد المؤمن لهذه الكلمات العظيمة إيمانٌ راسخ واعتقادٌ تامٌ بحقيقة معناها من الإيمان بالله والافتقار إليه.

(الله أكبر)، يا من لَزِمته الهموم، وأثقلتْ كاهلَه الديون، وأتعبته تكاليفُ الحياة، اعلم أن (الله أكبر)، أكبرُ من همِّك، أكبرُ من دَيْنِك، أكبر من كربِك، فالتجئْ إليه بصدق، واستشعرْ عظمتَه وقدرتَه البالغةَ التي إن شاء أحالَ بها حزنَك فرحاً وسروراً، وضيقَك سعةً وأنساً .

 

عباد الله:

إن تعظيم الله في هذه العشر هو سبيل المؤمنين الصادقين، فما شُرِعت العباداتُ في هذه العشر، ولا اجتمعْنَ فيها إلا ليكونَ الدِّينُ كلُّه لله، فتتجلى عند المؤمن حقيقةُ التعظيم؛ فالمصلون، والصائمون، والباذلون زكاةَ أموالهم، وكذلك حجاجُ بيتِ الله الحرام كلُّهم يسعَوْن في هذه العشر لرضا خالقهم إجلالاً وتعظيماً .

وعلى قدر ما يقوم في قلوبهم من التعظيم يكون عِظَمُ الثواب والجزاء.

 

أيها المسلمون:

حينما يقف المسلمون بعرفة، فإن ذلك ليس إلا مظهراً من مظاهر التعظيم لله في هذه العشر المباركة.

نعم .. إنه مشهدٌ مهيب، حينما تقفُ كلُّ تلك الجموع ذليلةً ساكنةً، خاشعةً خاضعةً في ذلك المكان، كلُّهم يقفون وقد توجهت قلوبُهم قبل أبدانِهم لربِّهم سبحانه، يا الله، ما أعظمَ الموقف، وما أعظمَ من له وُقِف.

في حرارةِ الشمسِ، وفي شدةِ الزحامِ، يتهافت الحجاج لرفع أكفِّهم بالدعاء والابتهال إلى الله أن يتقبل حجَّهم، ويعفو عنهم، فيتجلى ـ سبحانه وتقدس ـ لعباده تجلياً يليقُ بجلالِه وكمالِه، فيباهي بأهل الموقف ملائكتَه.

اللهم اشرح قلوبَنا بطاعتك .. واملأ أفئدتَنا بتعظيمِك .. واهدنا بهداك .. ووفقنا لرضاك.

قلتُ ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 ———————————

الخطبة الثانية:

الحمد لله ذي الجلال والكمال، الرحيم بعباده وأوليائه، المكرم لهم بأن وفقهم لعبادته، وهداهم لطاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ، أما بعد: 

 

إخوة الإيمان:

إن يوم العاشر من ذي الحجة هو أعظم الأيام، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إنَّ أعظمَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ تبارَكَ وتعالَى يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القُرِّ)، فيوم النحر هو أعظم الأيام عند الله؛ لما فيه من إهراق الدماء تقرباً إلى الله وتعظيماً له سبحانه، كما قال جل وعلا: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}، ففي ذلك اليومِ يتجلى تعظيمُ المؤمنين لله وإذعانُهم لأوامرِه، فلم يكونوا ليُرهِقوا أنفسَهم بأعمالٍ كهذه في يومِ فرحِهم؛ لولا امتثالُهم لأمرِ اللهِ سبحانَه وتعظيمُهم له جلَّ شأنُه.

أما حجاجُ بيتِ اللهِ فقد توجَّه بهم حُبُّهم لربِّهم وإجلاُلهم لخالقِهِم في ذلك اليوم لرمي الجمرة، تعبُّداً وطاعةً مجردةً، دون إدراكٍ لتفاصيلِ أسرارِ ذلك التعبد، فَهُم يكفيهم أن اللهَ أمرهم، ومع أمرِهِ فلا سبيل إلى تأخُّرٍ أو انتظار، أو اعتراضٍ أو استفسار، فالأمرُ أمرُه والسلطانُ سلطانُه، ولعظمتِه وجلالِه سبحانه فكلُّ أمر منه مطاع، وكلُّ قولٍ منه مسموع، وذلك هو حالُ المؤمنِ المعظِّمِ لربه، أن لا يدع لنفسه مجالاً للشكِّ أو الترددِ فيما أَمرَ ربُّه سبحانه أو أخبر.

 

عباد الله:

ثم يتوالى مزيدُ فيضِ التعظيمِ لله في الأيامِ الفاضلةِ المباركةِ بأن تلهجُ قلوبُ المؤمنين قبلَ ألسنتهم بتكبيرِ ربِّهم، يكبرونه أدبارَ الصلواتِ حتى عصرِ آخرِ أيامِ التشريق، فتضِجُّ المساجدُ بأصواتِ المكبرين المعظِّمين لربِّهم سبحانه.

 

أيها المسلمون:

إنها أيامٌ مباركة، وعشرٌ فاضلةٌ، ينبغي أن يكون حظُّ المسلم منها زيادةً في إيمانه، وتعظيماً لخالقه، ويقيناً بمولاه، واستسلاماً لشرعه.

فاللهَ اللهَ أن يكون ذلك هو حظُّكم، لا أن تكون مجردَ أيامٍ عابرة، أو كسائرِ الأيام، فإن رأيتَ قلبَك قدِ امتلأَ بحبِّ اللهِ وتعظيمِهِ فلا تُطفئْ ذلكَ النورَ بنارِ المعاصي وحَمَئِة الذنوب، بل أوقدْ في قلبك نورَ الإيمان، واستمرْ على الطاعة، واستعنْ بالله ليُذهِبَ عنك رجزَ الشيطان، ويقيك وساوسَه ومكائدَه.

 

عباد الله:

صلوا على البشير النذير والسراج المنير، خير البرية وأزكى البشرية، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا وسائرَ بلاد المسلمين، اللهم املأ قلوبَنا بتعظيمك، واشرح صدورَنا بإجلالك، وأكرمْنا بطاعتك وبلغنا هذه العشر المباركة ووفقنا فيها لصالح القول والعمل.

 {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن