معرض صور

خطبة: مخالفات تعظيم الله تعالى

إعداد الفريق العلمي بموقع تعظيم الله

مخالفات تعظيم الله تعالى

إنَّ الحمدَ لله، نحمده تعالى ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.. أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

 

معاشرَ المؤمنين:

جاءَ في سننِ الترمذي من حديثِ أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: ((إنِّي أرَى ما لا ترَونَ وأسمعُ ما لا تسمَعون، أَطَتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضِعُ أربعِ أصابِعَ إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهَتَهُ للهِ ساجدًا . واللهِ لو تَعلمونَ ما أعْلَمُ لضَحِكْتُمْ قليلًا ولبَكَيتُمْ كثيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بالنساءِ على الفُرُشِ، ولخَرَجْتُمْ إلى الصَّعُدَاتِ تجْأَرونَ إلى اللهِ)).

يا ربَّنا ما أعظـمَك                    أنت مليكُ من مَلَك

وكلُّ مُلْكٍ فهو لك                   والأمرُ كلُّ الأمرِ لك

ما أعظمَ جلالِ الله، وما أجلَّ كمالِه، كلُّ عظيمٍ لعظمتِه قد دان، وكلُّ جليلٍ لجلاله استكان، ما الكونُ والأفلاكُ والأرضُ والسماءُ إلا عبادٌ في ملكِهِ، وخاضعون تحتَ أمرِه وقهرِه.

فواعجباً كيف يُعصى الإلهُ         أم كيفَ يجحدُه الجاحدُ

وفي كـــلِّ شيءٍ لـــــه آيةٌ        تــدل على أنـــه واحدُ

فإذا كان ذلك هو جلالُ الله، وذاكَ هو كمالُه وعظمتُه، فالواجبُ على الخلقِ أن يعظِّموه ويجلِّوه، قال اللهُ تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.

 

عبادَ الله:

إذا كان كلُّ خيرٍ منه سبحانه، وكلُّ فضلٍ منه جلّ جلالُه، أفلا يستحي العبدُ من ربِّه أن يقصِّرَ في حقِّه، أو يَضعفَ تعظيمُه وإجلالُه لخالقِهِ، فهنيئاً لِمن عَمَّر قلبَه بالتعظيمِ للربِّ الكريمِ، وتَعساً لمنِ اتَّبعَ الهوى فَضَلَّ وهو سَقيم.

وإنَّ المسلمَ ربما يقعُ فيما يخالفُ تعظيمَ الله تعالى فتزلَّ قدمُهُ، ورُبَّما هوى إلى الدَرَكاتِ بسببِ تلكَ الزلَّة، أو تلكَ الخطيئة، فكان على المسلمِ حقّاً لازماً، وحتماً واجباً أن يَعلَم ويتعلَّم ما يناقضُ تعظيمَ اللهِ تعالى، فيبتعدُ عنه ويجتنبه، كما قيل:

عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ بل لتوقِّيهِ          ومن لا يعرفُ الخيرَ من الشرِّ يقعُ فيهِ

 

فمما ينبغي على المسلم أن يعلمَه أنّ أعظمَ ما يخالفُ تعظيمَ اللهِ ويناقضَه (الشركُ بالله تعالى)، بنوعيْهِ (الأكبرِ والأصغرِ)، فأما الشركُ الأكبرُ فهو يناقضُ أصلَ التوحيدِ والتعظيمِ لله سبحانه، فمن عبدَ مع اللهِ غيرَهُ، أو ادَّعى أو نسب شيئاً من أفعالِ الله أو صفاته لشيءٍ من خلقِه فقد كفرَ ووقعَ في محذورٍ عظيم، وكانت عاقبتَه أن يكون في النارِ خالداً مخلداً فيها أبداً {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، وأما الشركُ الأصغرُ فهو أيضاً مما يخالفُ تعظيمَ الله ووقارَه، سواءً أكانَ الشركُ الأصغرُ رياءً أو حَلِفاً بغير الله، إذِ الحَلِفُ التعظيم، وما حَلَفَ أحدٌ بشيءٍ إلا عظَّمَه، أو غير ذلك من أنواعِ الشركِ الأصغرِ.

وقدْ حذّر النبيُّ ﷺ أمتَه من الشركِ الأصغرِ فقالَ: ((إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصْغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ)) الحديث، وقال: ((من حلفَ بغيرِ اللهِ فقد أشركَ)).

واللهُ تعالى قد أمرَ بتوحيدِهِ وعبادتِهِ وحدَه، وإخلاصِ الدينِ كلِّه لَه، فمَنْ صرَفَ شيئاً لغيرِه فما عظّمه سبحانَه حقَّ تعظيمِهِ، ولا قدَرَه حقَّ قدرِهِ، وقد عاتبَ اللهُ من هذا شأنُه فقالَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

قال ابنُ كثير رحمه الله: (وما قدر المشركون اللهَ حقَّ قدرِه، حينَ عبدوا معَه غيرَه، وهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منهُ، القادرُ على كلِّ شيءٍ، المالكُ لكلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ تحتَ قهرِهِ وقدرتِهِ).

 

عبادَ الله:

وإنَّ مما ينافي تعظيمَ اللهِ تعالى: (تركَ الأوامرِ والوقوعَ في النواهي والزواجر)، فالمؤمنُ الحقُّ المعظمُ لله تعالى هو ذلكُمُ الذي يجعلُ هواهُ وعملَه تابعاً لأمرِ الله وشرعِهِ، فمنْ تَرَكَ شيئاً من أوامرِ الله، أو وقعَ في شيءٍ من نواهيه فما عظَّمه سبحانَه حقَّ تعظيمِهِ، قال ابن القيم: (وإن قدمَ الإسلامِ لا تثبتُ إلا على درجةِ التسليم، وذلكَ يوجِبُ تعظيمَ الربِّ تعالى وأمرِه ونهيِه، فلا يتمُّ الإيمانُ إلا بتعظيمِهِ، ولا يتمُّ تعظيمُه إلا بتعظيمِ أمرِهِ ونهيِهِ، فعلى قدرِ تعظيمِ العبدِ للهِ سبحانَه يكونُ تعظيمُه لأمرِهِ ونهيِهِ، وتعظيمُ الأمرِ دليلٌ على تعظيمِ الآمرِ) انتهى كلامه رحمه الله.

 

فيا منْ عارضَ شرعَ اللهِ بمحضِ هواهُ وفكرِهِ، ويا مَن أغرقَ نفسَه في لُجة المعاصي، ويا منْ تخاذَلَ وتكاسَلَ عن فعلِ الطاعاتِ أو أهملَهَا وقصَّر فيها، اعلمْ أنَّ اللهَ ربَّك أعظمُ وأجلُّ، وأنَّه مستغنٍ عن عبادتِكَ، ولا تضرُّه معصيتُك، لكنَّ رحمتَه بك وإحسانَه إليك واصلٌ، فلا تقطعْ حبلَ الوُدِّ بينَكَ وبينَ ربِّك، فلئنْ تركَكَ ربُّك فماذا يَـجْبُرَكَ؟! إن تخلَّى عنك إلـهُك فمن ذا يكونُ معك؟!

تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ                      هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ

لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لَأَطَعتَهُ                      إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ

 

عباد الله:

قلتُ ما سمعتُم، وأستغفرُ اللهَ العليَّ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد للهِ الذي في السماءِ ملكُه، وفي الأرضِ سلطانُه، فازَ وأفلحَ منْ عظّمَه واتقاه، وخابَ وخسِرَ من حادَ عن صراطِهِ وعصَاه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ، الفردُ الصمدُ، لم يلدْ ولم يولدْ، ولم يكُنْ له كفواً أحدْ، وأشهدُ أنْ محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، أتْقَى الخلقِ لله، وأشدُّهم له خشيةُ، وأبلغُهُم تعظيماً له سبحانَه، صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ، دائماً أبداً إلى يومِ الدِّين .. أما بعد:

 

إخوة الإيمان:

وإنَّ مما ينافي تعظيمَ اللهِ وإجلالَه: (المعاصي)، فهي والله المُهلِكة، فمعَ ما يقومُ في قلبِ العاصي من نزوةٍ شيطانِيةٍ حيوانية، إلا أنها مع ذاك دليلٌ على الاستخفافِ باللهِ، فلا يتجرأُ على المعاصي إلا من رقَّ إيمانُه، وضَعُفَ تعظيمُه لله، وقلَّت خشيتُهُ منه سبحانَه، فاللهَ اللهَ في البُعدِ عن المعاصي صغيرِها وكبيرِها، وكما قيل: (لا تنظر إلى صِغَرِ المعصيةِ ولكنِ انظرْ إلى عظمةِ منْ عصيت)، ولو عرفَ المرءُ عظمةَ ربِّه ما عصاه.

 

وأعظمُ مِنْ فِعلِ المعصيةِ: المجاهرةُ بها؛ لأن المجاهرةَ بالمعصيةِ ليست إلا دليلاً على خُلُوِّ القلبِ وفراغِهِ من دواعي التعظيمِ للهِ تعالى، وقد توعَّدَ النبيُّ ﷺ المجاهرينَ فقالَ: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين…)) الحديث.

 

ومما ينافي تعظيمَ اللهِ تعالى: عدمُ تعظيمِ شعائرِهِ، أو الاستخفافُ بها والعياذُ بالله، واللهُ جلَّ وعلا يقول: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}، والدينُ كلُّه شعائرُ الله، فمَنْ لمْ يعظِّمْها، أو استخفَّ بشيءٍ منها فما عظَّم الله، ورُبَّ كلمةٍ يقولُـها المرءُ استخفافاً بشعيرةٍ من شعائرِ اللهِ تهوي به أبعدَ ما بينَ السماءِ والأرضِ.

 

فعظِّموا شعائرَ ربِّكُم، وتمسَّكُوا بشرائعِ دينِكم، وانتقوا للحديثِ عنها أفضلَ كلامِكم، وألطفَ عباراتِكم، فذلكَ أسلمُ لكُم، وأقومُ لأمرِكُم، وأجدرُ أن تُرْضُوا ربَّكُم.

 

واعلموا عبادَ الله: أنَّ من تعظيمِ اللهِ تعظيمَ كلِّ ما عظَّمَه اللهُ، فيُعظِّمُ المسلمُ ملائكتَه، وكتبَه، ورسلَه، كما يعظِّمُ عبادَ اللهِ الصالحين لما حملُوه منَ الإيمانِ واليقين، ويُبغِضُ أعداءَه، لما حملوا منَ الكفرِ والبُعدِ عنِ الدين.

 

فإنْ تلبَّس المرءُ بشيءٍ عكْسِ ذلك فما عظَّم اللهَ كما ينبغي، فمنْ لمْ يُعظِّم ملائكةَ اللهِ أو كتبَه أو رسلَه أو حرمةَ إخوانِهِ المؤمنين فما عظَّم اللهَ ولا اتقاه، ومنْ ناصَرَ أعداءَ اللهِ أو أيَّدهُم أو والاهم فما عظَّم اللهَ.

 

ومنْ أزرى بالمؤمنينَ والعاملينَ لهذا الدين، وارتمى يمجِّدُ أعداءَ الملةِ وأشقياءَ الأُمَّةِ فما عَرَفَ لله حقَّ التعظيم، ولا سَلَكَ بنفسه السبيلَ المستقيم.

 

فاللهَ اللهَ أن يكونَ المسلمُ مع الله، معظِّماً لأوامرِهِ ونواهيِهِ، ولا يغرُهُ الهوى أو تستدرجُهُ الشبهاتُ أو الشهواتُ فتحيدُ بهِ عن سبيلِ ربِّهِ، وتحرفُهُ عن شريفِ مبتغاه وقصدِهِ.

 

عباد الله:

صلُّوا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد وعلى أزواجِه وذريتِه وصحابتِه الغُرِّ الميامين.

اللهم أعز الإسلامَ والمسلمين، وانصر الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، اللهم املأ قلوبَنا بتعظيمك، وطهرها من الشرك والنفاق والمعاصي والآثام، اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لآلائك شاكرين، وارزقنا رضوانك، والفوز بجنانك يا كريم.

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن