معرض صور

من مظاهر تعظيم الله في رمضان (8) | كيف يكون تعظيم السنة؟

من سلسلة مقالات (مظاهر تعظيم الله في رمضان)

يتحقق تعظيم السنة لدى المسلم بالأمور التالية:

(1) الاقتداء بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في كل صغيرة وكبيرة من أعماله وأقواله غير الجبلية كهيئة نومه مثلا قبيل صلاة الفجر وكهيئة مشيته إذ قد يكون ذلك من التكلف الظاهر إن لم يكن في ذلك حكمة ظاهرة أو فائدة صحية مقررة، ومن ذلك الاقتفاء بآثاره في أماكن جلوسه أو سيره فلا يسن، وقد اجتهد في ذلك ابن عمر رضي الله عنه ولكن الصحابة لم يوافقوه في هذا، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه: (إِنِّي أخْشَى إِن تركت شَيْئًا من أمره أَن أزيغ)، ولذلك أنفذ جيش أسامة مع أن كثيرًا من العرب ارتدوا وجاءوا بثقل مفاجئ بأمن المدينة.

وإن أعظم وأكبر الشواهد على تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم وتمكن حبه في القلوب هو اتباع سنته الشريفة ظاهرًا وباطنًا، ولزوم طاعته على الدوام وفي كل الأحوال، فلا دليل أدل على التعظيم والحب من هذا الاتباع المبارك واللزوم للسنة النبوية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20].

وإن اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال هو حقيقة وأساس التعظيم والإجلال للنبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، وهو الحب الحقيقي الصادق الذي يفضح كل ادعاء وكلما كان العبد معظمًا للسنة النبوية متبعًا الهدي النبوي عامرًا ظاهرة وباطنه بالتأسِّي بالنبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم توفيقًا وتسديدًا وكان أسلم الناس رأيًا وقولاً وفعلاً ومنهجًا.

(2) تقديم أوامره صلى الله عليه وسلم على أي أوامر أخرى لأحد من الناس لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].

(3) طاعته صلى الله عليه وسلم أتم الطاعة وعدم مخالفته ولو يكلفهم ذلك ما يكلفهم، كما قَالَ تَعَاَلَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

وقَالَ تَعَاَلَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

(4) محبته أكثر من محبة النفس، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (رواه البخاري)، فالرسول صلى الله عليه وسلم يستحق المحبة العظيمة بعد محبة الله عَزَ وَجَلَّ كيف لا وهو من أرانا الله به طريق الخير من طريق الشر، وهو من عرفنا بالله عَزَ وَجَلَّ، وهو من بسببه اهتدينا إلى الإسلام، أفيكون أحد أعظم محبة بعد الله منه؟.

وروى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)) فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر))، قال ابن حجر: أي الآن عرَفت، فنطَقت بما يجب.

وورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد إليه، فقال: ((ما أعددت لها))؟ قال: حب الله ورسوله، فقال: ((فإنك مع من أحببتَ)) (رواه مسلم).

وفي الرواية الأخرى قال أنس رضي الله عنه: (ما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنك مع مَن أحببت))، فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم).

ومما يدل على محبة الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وأبنائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ).

وفي قصة قتل زيد بن الدثنة رضي الله عنه، قال ابن إسحاق: اجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليُقتل: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرِب عُنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي، قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا، كحب أصحاب محمد محمدًا.

وأخرج الطبراني وحسنه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله ، إنك لأحب إلى من نفسي، وإنك لأحب إلى من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرَفت أنك إذا دخلت الجنة رُفِعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة، خشيت ألا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا حتى نزل جبريل بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].

وأخرج ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: خيرًا يا أمِّ فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه؛ حتى أنظر إليه قال: فأُشير لها إليه، حتى إذا رأته قال: كل مُصيبة بعدك جَلل.

ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تعني إيثار حبّه على حب النفس، ممّا يدفع المسلم لجعل همه وفكره منشغلان بما يُرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أقوالٍ وأفعالٍ، لذلك كانت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أَجَلِّ وأرفع أعمال القلوب، وأصلٌ عظيمٌ يتوقف على وجوده كمال الإيمان.

ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين:

أحدهما: فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته، وبعثته، وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول، والرضا والتسليم.

ودرجة ثانية هي: محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة.

ومن الأدلة كذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله رسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)) (متفق عليه).

يقول شيخ الإسلام – رَحِمهٌ اللهُ تعالى-: (إن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بتكميل هذه المحبة بثلاثة أمور، حتى يجد المسلم حلاوة الإيمان، فإيمان بعض المسلمين بارد، ولذلك لا يستشعرون له طعمًا ولا مذاقًا، ولا يحسون به وجودًا مطلقًا، وذلك لأنهم فقدوا حلاوة هذا الإيمان وطلاوته).

ومن الأدلة كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ)) (رواه مسلم).

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن