معرض صور

خطبة تعظيم الله في قلوب الصائمين

وإن تعظيم الصائم لله ليتجدد مع كل لحظة إفطار يتحين فيها الصائم غروب الشمس، وينتظر المؤذن يقول كلمة: الله أكبر

خطبة تعظيم الله في قلوب الصائمين

===========

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

ألا وإن رمضان من أجلِّ المناسبات التي تتجلى فيها للمسلم عظمة الله وإجلاله وهيبته، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل بداية صوم رمضان ونهايته منوطةً برؤية الهلال فقال صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) متفق عليه، وهذا فيه لفتة مهمة لهذا الآية الربانية؛ آية القمر الباهرة، تلك الكتلة المعلقة في السماء، وذلك الجرم الذي يسبح في الفضاء، يسير بدقة متناهية في نظام فلكي عجيب، قال تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون}[يس:40]، فجعل اللهُ آيةَ الشمس والقمر عبرةً لمن أراد أن يُذكِّرَ قلبَه عظمةَ خلقِ الله، فقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}[الفرقان:62]،

وإن في تقليب النظر في هذا الكون الفسيح ما يبهر العقولَ، ويبهر الأفهامَ، ويجعلها خاضعةً لربها وخالقها قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}[نوح:16]، وفي تفكُّر الإنسان في القمر وكيف يبدأ هلالاً ثم يكون بدراً، آية عظيمة تقوده إلى التفكر في فضاء الله الفسيح الذي لا يعلم منتهاه إلى إياه، فسوف يرى كواكبَ تُكوِّن مجموعةً شمسيةً، ويرى مجموعات شمسية تكوِّن مجرات، وفي المراصد الفلكية يعدون ملايين المجرات، لا إله إلا الله العظيم الكبير المتعال، أين الكرة الأرضية في هذه المجرات العظيمة إذا كانت الكرة الأرضية في المجموعة الشمسية نقطةً صغيرةً بجوار الشمس؟!

ثم أيها الإنسان ارجع البصر كرةً أخرى وتأمل حجم هذا الكون الهائل الفسيح، ستجده على عظمته صغيراً ضئيلاً أمام عظمة الكرسي الذي قال الله عنه في أعظم آية في كتاب الله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، فتتضاءل عظمة السماوات وعظمة الأرض أمام عظمة هذا الكرسي الذي هو مرقاة العرش، ثم تتضاءل عظمة الكرسي  إلى عظمة العرش المجيد الذي هو أوسع المخلوقات وأعظمِها، فقد ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، والعرش فوق السماء، والله تبارك وتعالى فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه).

 وثبت في المسند من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة). {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون}[يس:83].

ألا وإن في شهر رمضان وصيامه ما يجدد في قلوب المؤمنين تعظيم الله وإجلاله؛ ألا ترى المؤمنين يمسكون عن أكل الطعام إذا سمعوا المؤذن لصلاة الفجر يقول: الله أكبر، الله أكبر ؟!!.. فيا لها من استجابة لأمر الله العظيم الكبير المتعال، تكف النفوس عن مشتهياتها تعظيماً لله وتعظيماً لأمره.

ألا ترى كيف يستجيب الصائمون لأمر ربهم من غير رقيب أو حسيب أو كاميرات مراقبة؟! فالجميع يمسكون طيلة النهار.

وتأمل في الصائمين حين يخرجون في قائمة الظهير وشدة الحر وهم عطشى من بويتهم المكيفة ليحضروا صلاة الظهر، يفعلون ذلك لوجه الله الواحد القهار لا يريدون من مخلوقٍ جزاءً ولا شكوراً، يكابد أحدهم الجوع والعطش ولا يسمح بقطرة ماء تدخل جوفه، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، أي تعظيم لله وأي إيمان وأي إجلال لله، إنها مشاعر يجددها الصوم في نفوس الصائمين تعظيماً لله وتعظيماً لمراقبته وتعظيماً لاطلاع الله عليهم، ولذلك كانت مكانة الصوم عظيمةً عند الله، قالَ اللَّهُ في الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلّا الصِّيامَ، فإنَّه لي وأَنا أجْزِي به) رواه البخاري.

ولما كان الصائم يشعر بتعظيم الله في صومه ويُحَلِّقُ في درجات العبودية، ويسمو في مراقي الأتقياء، فإنه بتعظيم الله في قلبه، وسمو قصده، صار يُحَلِّقُ في عالم آخر غير عالم الماديات والمشاحنات والشجار والخصام، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّهُ أحَدٌ أوْ قاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صائِمٌ)، نعم، فليقل: إني أمرؤ متعلق قلبي بالله الذي فرض الصيام، فأنا صائم لله، معظمًا لله، مستشعراً مراقبة الله، تاركاً أكلي وشربي ومشتهياتي لله، فأن مشغول بأوامر الله العظيم الكبير المتعال،

حتى وإن سابه أحد بعد إفطاره فإنه في سكينة ووقار يحول بينه وبين الخصومة والسب والشجار؛ لأن تعظيم الله في قلبه، في نهار رمضان، وفي ليله، وحتى إذا انتهى رمضان بقي شعور تعظيم الله ملازمًا له بما وقر في قلبه من تعظيم الله في رمضان، فالله رب الناس في رمضان، ورب الناس في غير رمضان.

عباد الله ولما كان الصائمون يعظمون الله في قلوبهم عظمت طاعاتهم بالصيام عند الله فقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ) رواه البخاري.

وأما من لم يذق تعظيم الله في صيامه، وكان صيامه عن المفطِّرات عادةً وتقليداً لا يشعر فيه بتعظيمٍ لله ولا استشعارٍ لاطلاع الله عليه، فقد حَرَم نفسَه أعظمَ لذَّاتِ العمر وأنفسَ لحظاتِ الإيمان، حين لا يكف نفسه عن لذَّاتها إلا برقيبٍ من البشر، إن الصائمَ الذي صام عن الأكل والشرب ولم يصم قلبُه تعظيماً لله وإجلالاً له سيجد تعباً وحيرةً وقلقاً ووحشة، بل ربما يجد من نفسه جرأةً غريبةً على معاصي الله حتى في الأزمنة الفاضلة، ومن هنا نبه صلى الله عليه وسلم على ذلك في قوله: (مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ) رواه البخاري.

قال الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ذي العظمة والجلال، والكبرياء والجمال، عنت له الوجوه خاضعة، وذلَّت له القلوب خاشعة، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

إخوة الإيمان:

عباد الله .. إن تعظيم الله جل وعلا في قلب الصائم من أعظم العبادات القلبية وأجلّها وأشرفها.

وإن تعظيم العبد لله وصيامه بتعظيم ومحبة وإجلال وخوف ورجاء هي غاية الصيام وحكمته، ولهذا نبه الله عباده إلى ذلك فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}[البقرة:183].

وإن تعظيم الصائم لله ليتجدد مع كل لحظة إفطار يتحين فيها الصائم غروب الشمس، وينتظر المؤذن يقول كلمة: الله أكبر،  فيردد قلبه قبل لسانه: الله أكبر الله أكبر، ثم يتناول أول تمرات الإفطار وهو يقول: (بسمِ اللهِ اللَّهمَّ لك صُمتُ، وعلى رزقِك أفطرتُ)، كما جاء في الأثر، ذلك أنه يُذَكِّرُ نفسه بأن صيامه لله وحده، استجابةً لأمره، وتعظيماً لاطلاعه، وإجلالاً لعظمته.

 قال صلى الله عليه وسلم: (لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما: إذا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ) رواه البخاري. إنه فرح الصائمين بلقاء من عظموه وعظموا أمره، إنه فرح ليس بعده حزن، ويا لها من لحظات عظيمة وفرحة عميقة، حين يسمعون الملائكة تقول لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة}[الحاقة:24]. أيامٌ خلت، صمتم فيها وأنتم تعظمون الله، تصومون إجلالاً لله وتعظيماً لأمره وطاعة لرسوله، بقلوبكم وجوارحكم، {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج:32]، ولما كان الصوم يُحدِث هذا التعظيم لله، ويسري في عروق الصائمين مع كل لحظة عطش، وكل إحساس بتعب، فإن تعظيمهم لله يبعث في نفوسهم المسابقة للخيرات والمنافسة في الطاعات، فتراهم إذا جاء رمضان يعملون من الأعمال الصالحة مالم يكونوا يعملون، ويتسابقون فيها رجاء ما عند الله وحده.

وهذا شأن قدوتهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ النّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ). رواه البخاري.

اللهم وفقنا لتعظيمك وتعظيم شرعك، واهدنا إليك صراطًا مستقيمًا.

مطوية تحبيب الناس في خالقهم

من نحن

نسعى إلى غرس تعظيم الله في النفوس، من خلال نشر منتجات متميزة، مقروءة ومسموعة ومرئية، ومن خلال فعاليات دعوية متنوعة.

الأرشيف

جميع الحقوق محفوظه مشروع تعظيم الله © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود
تطوع الأن